ابن قيم الجوزية

41

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

ومسفط كل ورقة وعدد كل كلمة وعدد الحصا والتراب والرمل ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء لا يخفى عليه من ذلك شيء وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو أعلم بها فإن احتج مبتدع ومخالف بقول اللّه عز وجل وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وقوله إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا وقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ونحو هذا من متشابه القرآن فقل إنما يعني بذلك العلم لأن اللّه عز وجل على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ، وقال في رواية أبي جعفر الطائي محمد بن عوف بن سفيان الحمصي قال الخلال حافظ إمام في زمانه معروف بالتقدم في العلم والمعرفة كان أحمد بن حنبل يعرف له ذلك ويقبل منه ويسأله عن الرجال من أهل بلده قال أملي على أحمد بن حنبل فذكر رسالة في السنة ثم قال في أثنائها وأن الجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء الخبر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا ورأيت الكوثر ، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا » فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالقرآن كافر بالجنة والنار ، يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وقال في رواية عبدوس بن مالك العطار وذكر رسالة في السنة قال فيها والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها كذا وكذا » فمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار فتأمل هذه الأبواب وما تضمنته من النقول والمباحث والنكت والفوائد التي لا تطفر بها في غير هذا الكتاب البتة ونحن اختصرنا الكلام في ذلك ولو بسطناه لقام منه سفر ضخم واللّه المستعان وعليه التكلان وهو الموفق للصواب . الباب التاسع في ذكر عدد أبواب الجنة قال اللّه تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ وقال في صفة النار : حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها بغير واو فقالت طائفة هذه واو الثمانية دخلت